الهجرة إلى الغرب: البحث عن النعيم أم الهروب من العذاب؟

الهجرة إلى الغرب: البحث عن النعيم أم الهروب من العذاب؟
Screenshot_2

كتب - آخر تحديث - 7 نوفمبر 2019

 

 

■ الهجرة هي شغف البحث عن كل ما هو جديد، واكتشاف عوالم مجهولة ذات معنى إنساني جميل، ولولا ذلك ما وُجدت الإنسانية، فأول المهاجرين هم أجداد أجدادنا من آلاف السنين، الذين وُلدوا في أدغال إثيوبيا أو صحارى تشاد، ليعمروا الأرض كلها وصولاً إلى آخر الدنيا.
بدأ المسلمون تقويمهم الزمني بالهجرة، وسموه بالتقويم الهجري، تيمناً بهجرة الرسول الكريم من مكة إلى المدينة، حلم المسلمين القلة المظلومة بدأ يتحقق بهذه الخطوة. لنصل إلى ما عرفه العالم من عظمة الحضارة الإسلامية أيام مجدها. الحق في الهجرة والتنقل حق شرعي لكل إنسان مهما كان سببه؛ فأرض الله للجميع، إلا أن قوانين الدول الوطنية تحُد من ذلك، وتضع شروطاً للهجرة تحصرها فقط في مجال استيراد المعرفة والمهارات النادرة، أو في إطار اللجوء السياسي إذا اكتملت شروطه. الهجرة إذا هي دائماً شرعية بالمفهوم الإنساني حتى لو كانت غير قانونية بمفهوم الدول. اليوم يأخذ مفهوم الهجرة معنى مناقضاً في هذا الزمن، هو عذاب دائم وموت محتمل في أعماق البحر، فالوصول إلى سواحل أوروبا أصبح لدى شباب كثيرون هدفاً يستهينون بالموت من أجله، علماً بأن كتابنا ومفكرينا لا يألون جهداً في تفسير أوضاع المهاجرين، خصوصاً المسلمين في أوروبا، فهم يذكروننا دائماً بالعنصرية المتنامية والاعتداءات حتى القتل في بعض الأحيان، ناهيك عن منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية في هذه البلاد. يذكرنا هؤلاء المثقفون دائماً باستعمارية الغرب وكيف وكيف… الخ، مع ذلك فإن الآلاف بل مئات الآلاف يركبون البحر للذهاب إلى هذا العذاب المُنتظر، الذي تحول إلى مقبرة مائية.
أليس ذلك عجيباً، ولكن كما قال المتنبي: «السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب»، وبكل تأكيد فإن هؤلاء الشباب والشابات، وهم في كثير من الأحيان، قرأوا مثل هذه التحليلات والمقالات عن الغرب، ووازنوا بين نار أوطانهم والجنة الموعودة في الغرب، تلك البلاد التي سمعوا وقرأوا عنها في أماكن أخرى غير صفحات هؤلاء الكتاب الأفاضل، استخلصوا أن من حقوق الإنسان الأساسية حق التنقل والسفر بحرية، والعودة إلى أوطانهم متى شاءوا.
نرى هنا خمسة من أشكال هذه الهجرة مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والسياسية:
الشكل الأول هو اللجوء الاقتصادي: اختفاء الاقتصاد الوطني في الغرب لصالح اقتصاد العولمة، لم ينعكس فقط على تنقل أو صناعة البضائع بل شمل أيضاً العمالة، فقانون العرض والطلب والسوق الحر المميز للاقتصاد الرأسمالي، ينطبق بحذافيره على سوق العمل. أصبحت الوظيفة الشاغرة في مكان ما في هذا الاقتصاد الرأسمالي الغربي مفتوحة أمام أفضل من يستطيع أن يشغلها، خصوصاً عندما تشح الموارد الإنسانية الكافية لإشغال هذه الوظائف. ما أدى إلى وجود عدد كبير من الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي الكفاءات العالية في مستشفيات ومصانع الغرب، قدموا من بلادهم بشكل مُمنهج وعادي وبدون عوائق، وتُعرض عليهم في بعض الأحيان محفزات كتسهيل تعلُم اللغة، والحصول بعد فترة معينة على الجنسية. هذا النوع الأول يسير بكل الاتجاهات بين الدول وحتى الغربية منها، فكثير من الفرنسيين مقيمون في بريطانيا (250 ألفا فقط في لندن) أو أمريكا. وكثير من الأوروبيين ذوي الكفاءات يعملون في دول الخليج العربي.
هذا الوضع العولمي الطبيعي، أدى في بعض الأحيان إلى إفقار الدول النامية من الكفاءات، وهو ما يُسمى بسرقة العقول. هذه المُعضله لا يمكن معالجتها إلا اذا قُدمت للمواطن العربي المُتعلم الإمكانيات نفسها التي يحصل عليها في الغرب، وفُتح له باب التطور العلمي والحرية في الإبداع، وهذا ما يجده بسهولة في بلاد المهجر. الشكل الثاني من الهجره هي الهروب من الفقر والحاجة للبحث عن مصدر رزق، ولو كان قليلا في بلاد الآخرين، سببه الأساسي الفساد وغياب الحقوق في بلادنا، فالعامل وإن وجد عملاً فهو بأجر قليل، ويُحرم تقريباً من كافة الحقوق المرتبطة بالعمل، كالضمان الاجتماعي والصحي له ولعائلته، التقاعد، العطله والتكوين المهني، الانضمام للنقابات المستقلة للدفاع عن حقوقه، والتعويض في حالة البطالة. هذه حقوق منهوبة يأخذها أصحاب العمل لتحقيق أكبر قدر من الربح، من دون أي رادع قانوني، فالفساد يعُم البلاد والعباد، والقوي يأكل الضعيف، وهو الذي يضع قوانين هذا الغبن لصالحه دائماً، هذه الوضعية ليست مرتبطة بفقر الدولة أوغناها،، بل بمقدار احتكامها لقوانين عادلة. لا تُحل هذه الإشكالية إلا عندما يصبح العامل مواطنا بحقوق كاملة، كما هو الوضع في الغرب. الحاجة أو الفقر مضاف إليهما ضمان الحقوق المأمولة في أوروبا، هي إذن السبب الأول في ذلك النوع من الهجرة. الشكل الثالث وهو هجرة جديدة خاصة بنا هذه الأيام؛ وهم الهاربون من الموت، الذين يعيشون وعائلاتهم تحت القصف اليومي والبراميل المتفجرة والرصاص هم الضحايا المباشرون لهمجية «مغول العرب». هؤلاء يهربون ولا يهاجرون، إنقاذ النفس والأهل هو هدفهم، هم اللاجئون وقد تقطعت بهم السبل، ومن يجدون الأبواب الموصده في وجوههم، ومن يموتون جوعاً وبردا. وصولهم لأوروبا هو عرض وليس هدفاً بذاته، فهم يقعون فريسة تجار الهجرة بعد هروبهم من الموت، لكي يلاقوه في كثير من الأحيان من جديد وسط البحر، وهذا أيضاً مصير جزء كبير من الفارين من الفقر وانعدام الأمل من الشكل الثاني للهجرة.
الشكل الرابع هو اللجوء السياسي المميز بقمع المعارضين، والهادف إلى تكميم الأفواه، هجرة قليلة… ولكنها ترمزالى رفض السلطة لأي شكل من أشكال التعبير والنقد، بشكل عام تذهب تلك الهجرة إلى بلاد الغرب، ولا نراها إلا في الدول الكاملة الديمقراطية، وإن دل هذا على شيء؛ فإنه يدل على أهمية الديمقراطية كوسيلة لحماية المُضطهدين فكرا. وجزء أكبر من المعارضين العرب الإسلاميين، لجأوا إلى أوروبا، وبشكل خاص إلى بريطانيا، ولم نرهم متوجهين إلى باكستان أو السودان. ولا ننسى أن البعض من كتابنا، ومن العاملين في الصحافة الحرة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لا يستطيعون ممارسة مهنهم كما يشاؤون، إلا في العواصم الغربية؛ وهو ما يُفسر نجاح هذا الإعلام المهاجر عند المواطن والقارئ العربي، ورُغم انتقاداتهم اللاذعة والمحقة في أغلب الأحيان للسياسات الغربية، فإنهم لا يشعرون بالقلق على حرية عملهم. وإن كانت هناك تدخلات؛ فهي في مُعظم الأحيان تحت ضغط الأنظمة العربية لإسكات الأقلام الحرة. الشكل الخامس التهجير الطائفي المُرتبط بالتخلف، وتلاعب السلطة الاستبدادية بمكونات المجتمع المُتعايشة منذ مئات السنين، لتحويل تناقض المجتمع مع السلطة إلى تناقض المجتمع مع نفسه، لتعطي السلطة نفسها دور حامي الأقليات والديار، مما يمكنها من الاستمرار بالحكم، مطبقة المثل المشهور (فرّق تسُد). غناء الأمة في تنوعها، التنوع الديني والعرقي والثقافي، فالصفاء العرقي أو الديني هو مفهوم عنصري، لا يؤدي إلا للحروب والدمار، فمثال الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد هذا المبدأ، فهم تقريباً كلهم مهاجرون أتوا من كل حدب وصوب، وما زالوا يستجلبون الناس من كل مكان. الكثير من الدول انتقلت من موضع الدول المهجرة لأهلها إلى دول تستقطب الآخرين، مثال ذلك في اليابان في الخمسينات، التي كانت مُصدرة للفقراء الذاهبين إلى الحُلم الأمريكي، وفي السبعينات والثمانينات كوريا الجنوبية، بعد تحولها من الحكم العسكري إلى دولة كاملة الديمقراطية. لن تنتهي معاناة هذه الأمة، إلا إذا توحدت جهودها لإنهاء الظلم والاستبداد، وإقامة العدل والديمقراطية، التي ستسمح ببناء صرح الوطن بأيدي أبنائه جميعاً وبمساعدة موارده الطبيعية الهائلة واحترام حقوق الإنسان ووضع قوانين عمل توفر فرص عمل كريم وتحترم حقوق العامل. أسئلة كبيرة يجب أن نطرحها على أنفسنا، نحن أبناء هذه الأمة، ونجيب عنها من أوطاننا وأحوالنا. الظلم السياسي والديني والاجتماعي المُستشري عندنا هو الذي يجب أن يكون محل تحليل ودراسة الكتاب والمثقفين والمتعلمين.
وبناء اقتصاد إنتاجي مبني على عمل الناس وليس ريعيا مبنيا على بيع ثروات الوطن، هو الذي سيسمح بوجود فرص عمل واقتصاد متقدم حتى ننهي معاناة اللجوء والهجرة وتنقلنا من منظومة الرعايا عند السلطان، إلى مفهوم المواطن مصدر السلطة.
مساحة الأرض العربية بثرواتها الضخمة، وإمكانيات أبنائها الأوفياء، ستصبح يوما ان شاء الله أندلس يأتي إليها ولأجلها الآخرون؛ مُهاجرون لأوطاننا بحثاً عن العمل والعيش الكريم.

٭ كاتب وطبيب فلسطيني مقيم في فرنسا

د. نزار بدران


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *